أبي هلال العسكري
135
الصناعتين ، الكتابة والشعر
الأماكن ، والنزول في غير أوطانها ؛ فإنك إن لم تتعاط قريض الشعر المنظوم ، ولم تتكلّف اختيار الكلام المنثور لم يعبك بذلك أحد ، وإن تكلّفته ولم تكن حاذقا مطبوعا ، ولا محكما لشأنك بصيرا عابك من أنت أقلّ عيبا منه ، وزرى عليك من هو دونك . فإن ابتليت بتكلّف « 1 » القول ، وتعاطى الصناعة ، ولم تسمح لك الطبيعة في أوّل وهلة ، وتعصّى عليك بعد إجالة الفكرة ، فلا تعجل ، ودعه سحابة يومك ولا تضجر ، وأمهلة سواد ليلتك ، وعاوده عند نشاطك ؛ فإنك لا تعدم الإجابة والمواتاة إن « 2 » كانت هناك طبيعة وجريت من الصناعة على عرق ؛ وهي - المنزلة الثانية . فإن تمنّع عليك بعد ذلك مع ترويح الخاطر ، وطول الإمهال ، فالمنزلة « 3 » الثالثة أن تتحوّل عن هذه الصناعة إلى أشهى الصناعات إليك ، وأخفّها عليك ؛ فإنك لم تشتهها إلّا وبينكما نسب ، والشئ لا يحنّ إلا إلى ما شاكله ، وإن كانت المشاكلة قد تكون في طبقات ؛ فإنّ النفوس لا تجود بمكنونها ، ولا تسمح بمخزونها مع الرهبة ، كما تجود مع الرّغبة والمحبّة . وينبغي أن تعرف أقدار المعاني ، فتوازن بينها وبين أوزان المستمعين ، وبين أقدار الحالات ؛ فتجعل لكلّ طبقة كلاما ، ولكلّ حال مقاما ، حتى تقسم أقدار المعاني على أقدار المقامات ، وأقدار المستمعين على أقدار الحالات . واعلم أنّ المنفعة مع موافقة الحال ، وما يجب لكلّ مقام من المقال ؛ فإن كنت متكلّما ، أو احتجت إلى عمل خطبة لبعض من تصلح له الخطب ، أو قصيدة لبعض ما يراد له القصيد ، فتخطّ ألفاظ المتكلمين ، مثل الجسم والعرض والكون والتأليف والجوهر ، فإنّ ذلك هجنة .
--> ( 1 ) في ط ، ب : « بتكلفة » ، وما أثبتناه عن ا . ( 2 ) في ط : وإن . ( 3 ) في ط : والمنزلة .